بين العلم والكتب: قراءة في الجانب العلمي للدولة السعودية الأولى

يمكن النظر إلى الدولة بوصفها كياناً حضارياً يتشكل من خلال مقوماته الأساسية، ومن أبرزها «العلم» والاهتمام بأوعيته من العلماء والمكتبات. لقد اعتنى المؤرخون بالجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة السعودية الأولى، ولم يحظَ الجانب العلمي بالعناية نفسها.
اعتمدت في هذا المقال على مصادرَ ومراجع منها كتاب «علماء نجد خلال ثمانية قرون» لابن بسام، و«عنوان المجد في تاريخ نجد» لابن بشر، و«نفح العود» لعبدالرحمن البهكلي، فضلاً عن بحث الدكتور خالد بن عبدالله السعيد، وبحث عبدالله بن محمد المنيف عن الحياة العلمية في الدرعية.
دعمت الدولة العلم منذ بداية عهدها؛ فحين قدم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية سنة ١١٥٧هـ، سار الإمام محمد بن سعود إليه بنفسه ورحّب به وأكرمه. وذكر ابن بشر أن الإمام عبدالعزيز بن محمد كان يشجع طلبة العلم ويعرضون عليه خطوطهم فمن استحسن خطه أعطاه عطاءً جزيلاً.
وأمر ببناء مجمعٍ حول مسجد البجيري يسع مائتي رجل، وخصص جزءاً منه للنساء، وبنى أربع مدارس لطلبة العلم الوافدين. وألزمت الدولة في عهد الإمام سعود أمراء النواحي باختيار خمسة عشر رجلاً من أهل كل ناحية وتفريغهم للعلم، وكانت الرواتب الشهرية تُصرف لهم من بيت المال.
كان التعليم ينقسم إلى مرحلتين: الأولى تعليم الصبيان في غرفٍ ملحقةٍ بالمساجد، والثانية لمن أراد التوسع فينتقل إلى حلق العلماء. وفي عهد الإمام سعود كانت المجالس العلمية في الدرعية تنقسم إلى عامٍّ يعقد في السوق، وخاصٍّ يعقد بعد المغرب في سطح قصره.
تحولت الدرعية إلى مركزٍ علميٍّ في شبه الجزيرة، أقرب إلى جامعةٍ كبرى تُعقد فيها الدروس في المساجد والأسواق. واهتمت بالعقيدة واللغة والفقه والسيرة والفلك والجغرافيا والتاريخ، وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب يحض أهل الدرعية على تعلم الرمي بالبندقية.
ويصف بوركهارت اهتمام الإمام سعود بإرسال الرسل لشراء الكتب، وأن خزانته كانت واسعةً تزخر بالمؤلفات. وذكر فورستر سادلير أن إبراهيم باشا حين دخل بيت الإمام عبدالله وجد مجموعةً هائلةً من الكتب جُمعت وأُرسلت إلى المدينة المنورة. وفي بحث الحياة العلمية أن العساكر المصرية انتقت عشرة أحمالٍ من كتب الإمام عبدالله وأحرقت الباقي.
لقد قامت الدولة السعودية على نشر التعليم ومحاربة الجهل، وكان من نتائج ذلك ظهور مؤرخين كابن غنام وتلميذه ابن بشر، واستمرت الرعاية في أطوارها الثلاثة حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، اللذَين جعلا تطوير التعليم من ركائز رؤية ٢٠٣٠.